السيد محمد تقي المدرسي
235
من هدى القرآن
[ 91 ] قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى يبدو من الآية أن تعلق بني إسرائيل لم يكن بالرسالة بقدر ما كان بشخص موسى عليه السلام ، فقد كان هارون أخاه من أبيه وأمه ، وكان امتداداً له في المجتمع ، والوصي عليهم من بعده ، ولكنهم لم يستجيبوا له ، عندما دعاهم لطاعته ، وقرروا البقاء على الانحراف حتى يعود إليهم موسى عليه السلام . وكانت هذه الفتنة مفيدة لبني إسرائيل ، فقد أفرزت الفئات التي لا تزال تمثل رواسب الجاهلية والفئات المصلحية عن الأخرى المؤمنة الصادقة في إيمانها . أما الفائدة الثانية فهي التحصن ضد الانحرافات الفكرية والاجتماعية التي قد يتعرضون لها في المستقبل وذلك بعد غياب موسى عنهم . النزعة الشيئية عند البشر إن من طبيعة البشر هي التمحور حول الأشياء دون القيم ، وارتفاع الإنسان إلى مستوى الإيمان بالغيب وعبادة الله تعالى متجرداً عن الأهواء وعن الضغوط المختلفة ، يعتبر قمة الحضارة الإنسانية . ذلك لأنه يعني أن الإنسان قد أنهى صراعه الداخلي لصالح عقله ، ويتحدى كل الشهوات المحيطة بقلبه ، وكل الضغوطات المحيطة به في مجتمعه ، حتى يخلص عبادته لله ، ولا يهبط إلى مستوى الشيئية في الحياة ، وهذا الأمر يحتاج إلى مزيد من التوجيه والتربية . ولو ترك الإنسان وطبعه ، لهبط إلى مستوى عبادة الأصنام ، لأنها تعني التفاف الإنسان حول الأشياء ، والخضوع لسلبيات الحياة وضغوطها ، بينما الإيمان بالله يعني الارتفاع عن كل ذلك والنظر إلى الأشياء بأنها مخلوقات لله . وقد هبط بنو إسرائيل إلى مستوى عبادة الأشياء حينما غاب عنهم نبيهم موسى عليه السلام ، ثم هداهم الله إليه بعد الضلالة ، وفي ذلك عبر عظيمة . ومن العجب أن بعض المؤرخين يفلسف عبادة الطوطم ، والكواكب ، والأصنام ، وببعض التحليلات المعقدة ، علما بأنها لا تحتاج إلى كل ذلك إذ إنها من طبيعة الإنسان ، ففي يوم كانوا يعبدون الحيوان الذي يخافونه لأنه كان يرمز إلى القوة . فبعضهم كان يعبد الفيل ويعتبره رمزاً للقوة ، وبعضهم كان يعتبر الأسد رمزاً للقوة فيعبده . أما هذا اليوم فيعتبرون الأباطرة والملوك رمزاً للقوة فيعبدونهم . فإذا أردنا أن نصل إلى عبودية الله علينا أن نتجاوز الأشياء لخالقها ، والشيئية إلى القيم ، والشهود إلى الغيب .